انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير البغويالآيات 86–135

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير البغوي.

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ۝٨٦ قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ۝٨٧

{فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفاً}، حزيناً. {قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً}، صدقاً أنه يعطيكم التوراة، {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ}، مدة مفارقتي إياكم، {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، أي: أردتم أن تفعلوا فعلاً يوجب عليكم به الغضب من ربكم، {فَأَخلَفْتُم مَّوْعِدِى}.

{قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}، قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم: {بمَلْكنا} بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، أي: ونحن نملك أمرنا. وقيل: باختيارنا، ومن قرأ بالضم معناه بقدرتنا وسلطاننا، وذلك أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم يملك نفسه.

{وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ}، قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: "حَمَلْنا" بفتح الحاء، وتخفيف الميم، وقرأ الآخرون بضم الحاء وتشديد الميم، أي: جعلونا نحملها وكلفنا حملها، {أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ}، من حُلي قوم فرعون، سمّاها أوزاراً لأنهم أخذوها على وجه العارية فلم يردوها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا قد استعاروا حلياً من القبط، وكان ذلك معهم حين خرجوا من مصر.

وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذوها، فكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالاً لهم في ذلك الزمان، فسماها أوزاراً لذلك.

{فَقَذَفْنَاهَا}، قيل: إن السامري قال لهم احفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع موسى.

قال السدي: قال لهم هارون إن تلك غنيمة لا تحل، فاحفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع موسى، فيرى رأيه فيها، ففعلوا. قوله: {فَقَذَفْنَاهَا} أي: طرحناها الحفرة، {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ}، ما معه من الحلى فيها، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أوقد هارون ناراً وقال: اقذفوا فيها ما معكم، فألقوه فيها، ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل.

قال قتادة: كان قد أخذ قبضة من ذلك التراب في عمامته.

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ فَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ۝٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۝٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ۝٩٠ قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ۝٩١

{فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَى فَنَسِيَ}، أي: تركه موسى هاهنا وذهب يطلبه. وقيل: أخطأ الطريق وضل.

قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً}، أي: لا يرون أن العجل لا يكلمهم ولا يجيبهم إذا دعوه، {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}، وقيل: إن هارون مرّ على السامري وهو يصوغ العجل فقال له: ما هذا؟ قال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي، فقال هارون: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فألقى التراب في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان ذلك بدعوة هارون.

والحقيقة أن ذلك كان فتنة ابتلى الله بها بني إسرائيل.

{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ}، من قبل رجوع موسى، {يَٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ}، ابتليتم بالعجل، {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى}، على ديني في عبادة الله، {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِى}، في ترك عبادة العجل.

{قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ}، أي لن نزال، {عَلَيْهِ}، على عبادته، {عَـٰكِفِينَ}، مقيمين، {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ}، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً من الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله.

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ۝٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ۝٩٣ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ۝٩٤ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ ۝٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ۝٩٦

{قَالَ يَٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ }، أشركوا {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ}، أي: أن تتبعني و {لاَ} صلة أي تتبع أمري ووصيتي، يعني: هلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم.

وقيل: "أن لا تتبعني" أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عمّا أتوه، {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى}، أي خالفت أمري.

{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى}، أي بشعر رأسي وكان قد أخذ ذوائبه، {إِنِّى خَشِيتُ}، لو أنكرتُ عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً، {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىۤ إِسْرآءِيلَ}، أي خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزاباً يتقاتلون، فتقول: أنت فرَّقت بين بني إسرائيل، {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى}، ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي، وأصلح أي ارفق بهم، ثم أقبل موسى على السامري. {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ} ما أمرك وشأنك؟ وما الذي حملك على ما صنعت؟ {يَٰسَـٰمِرِيُّ}.

{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ}، رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا.

قرأ حمزة والكسائي: {ما لم تبصروا} بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر.

{فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ}، أي من تراب أثر فرس جبريل، {فَنَبَذْتُهَا}، أي ألقيتها في فم العجل.

وقال بعضهم: إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذاً من تحت حافر فرس جبريل.

فإن قيل: كيف عرف ورأى جبريل من بين سائر الناس؟

قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في الكهف حذراً عليه، فبعث الله جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة.

{وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ}، أي زينت، {لِى نَفْسِى}.

قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُۥ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ۝٩٧

{قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ}، أي: ما دمت حياً، {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ}، أي: لا تخالط أحداً، ولا يخالطك أحد، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه، ولا يقربوه.

قال ابن عباس: لا مساس لك ولولدك، و"المساس" من المماسة، معناه: لا يمس بعضنا بعضاً، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، لا يمس أحداً ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وكان إذا لقي أحداً يقول "لا مساس"، أي: لا تقربني ولا تمسني.

وقيل: كان إذا مس أحداً أو مسه أحد حُمَّا جميعاً حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك، وإذا مسّ أحد من غيرهم أحداً منهم حُمَّا جميعاً في الوقت.

{وَإِنَّ لَكَ}، يا سامري، {مَوْعِداً}، لعذابك، {لَّن تُخْلَفَهُ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {لن تخلِفه} بكسر اللام. أي لن تغيب عنه، ولا مذهب لك عنه، بل توافيه يوم القيامة، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي لن تكذبه ولن يخلفك الله، ومعناه: أن الله تعالى يكافئك على فعلك ولا تفوته.

{وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ}، بزعمك، {ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً}، أي ظلت ودمت عليه مقيماً تعبده، والعرب تقول: ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت، ومستُ بمعنى مسستُ.

{لَنُحَرِّقَنَّهُ}، بالنار، قرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإِحراق، {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ}، لنذرينه، {فِى ٱلْيَمِّ}، في البحر، {نَسْفاً}، روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم، لأنه كان قد صار لحماً ودماً، ثم حرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، قرأ ابن محيصن: "لنحرقنّه" بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد، ومنه قيل للمبرد المحرق. وقال السدي: أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم.

إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۝٩٨ كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا ۝٩٩ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وِزْرًا ۝١٠٠ خَٰلِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ حِمْلًا ۝١٠١

{إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً}، وسع علمُه كلَّ شيء.

{كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ}، من الأمور، {وَقَدْ آتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً}، يعني القرآن.

{مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ}، أي: عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه، {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً}، حملاً ثقيلاً من الإِثم.

{خَـٰلِدِينَ فِيهِ}، مقيمين في عذاب الوزر، {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً}، أي بئس ما حملوا على أنفسهم من الإِثم كفراً بالقرآن.

يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ۝١٠٢ يَتَخَٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ۝١٠٣ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ۝١٠٤ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا ۝١٠٥

{يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ}، قرأ أبو عمرو {نَنْفُخ} بالنون وفتحها وضم الفاء لقوله: {وَنَحْشُرُ}، وقرأ الآخرون بالياء وضمها وفتح الفاء علي غير تسمية الفاعل، {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ}، المشركين، {يَوْمِئِذٍ زُرْقاً}، والزرقة: هي الخضرة: في سواد العين، فيحشرون زرق العيون سود الوجوه. وقيل: {زُرْقاً}: أي عمياً. وقيل: عطاشاً.

{يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ}، أي يتشاورون بينهم ويتكلمون خفية، {إِن لَّبِثْتُمْ}، أي ما مكثتم في الدنيا، {إِلاَّ عَشْراً}، أي عشر ليال. وقيل: في القبور. وقيل: بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا.

قال الله تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ}، أي يتسارُّون بينهم، {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً}، أوفاهم عقلاً وأعدلهم قولاً، {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً}، قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة. وقيل: نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم.

قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْـأََلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً}، قال ابن عباس سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية.

والنسف هو القلع، أي: يقلعها من أصلها ويجعلها هباء منثوراً.

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ۝١٠٦ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا ۝١٠٧ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ۝١٠٨ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا ۝١٠٩

{فَيَذَرُهَا}، أي: فيدع أماكن الجبال من الأرض، {قَاعاً صَفْصَفاً}، أي: أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها، و"القاع" ما انبسط من الأرض و"الصفصف": الأملس.

{لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}، قال مجاهد: انخفاضاً وارتفاعاً.

وقال الحسن: "العِوَجُ": ما انخفض من الأرض، و"الأَمْتُ": ما نشز من الروابي، أي: لا ترى وادياً ولا رابية.

قال قتادة: لا ترى فيها صدعاً ولا أكمة.

{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ}، أي صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، وهو إسرافيل، وذلك أنه يضع الصور في فيه، ويقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلمُّوا إلى عرض الرحمن.

{لاَ عِوَجَ لَهُ}، أي: لدعائه، وهو من المقلوب، أي: لا عوج لهم عن دعاء الداعي، لا يزيغون عنه يميناً وشمالاً، ولا يقدرون عليه بل يتبعونه سراعاً.

{وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ}، أي: سكنت وذلت وخضعت، ووصف الأصوات بالخشوع والمراد أهلها، {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}، يعني صوت وطء الأقدام إلى المحشر، و"الهمس": الصوت الخفي كصوت اخفاف الإِبل في المشي. وقال مجاهد: هو تخافت الكلام وخفض الصوت.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تحريك الشفاه من غير نطق.

{يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ}، يعني: لا تنفع الشفاعة أحداً من الناس، {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ}، يعني إلا من أذن له أن يشفع، {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً}، يعني: ورضي قوله، قال ابن عباس: يعني: قال لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع غير المؤمن.

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا ۝١١٠ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ۝١١١ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ۝١١٢

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}، الكناية راجعة إلى الذين يتَّبعون الداعي، أي يعلم الله {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ما قدموا {وَمَا خَلْفَهُمْ} ما خلفوا من أمر الدنيا.

وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} من الأعمال.

{وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}، قيل: الكناية ترجع إلى "ما" أي: هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه. وقيل: الكناية راجعة إلى الله لأن عباده لا يحيطون به علماً.

{وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ}، ذلت وخضعت، ومنه قيل للأسير: عانٍ. وقال طَلْق بن حبيب: هو السجود على الجبهة للحي القيوم، {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}، قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم هو الشرك.

{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ}، قرأ ابن كثير {فلا يخف} مجزوماً على النهي جواباً لقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ}، وقرأ الآخرون {فَلاَ يَخَافُ} مرفوعاً على الخبر، {ظُلْماً وَلاَ هَضْماً}، قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد عليه في سيئاتِه، لا ينقص من حسناته.

وقال الحسن: لا ينقص من ثواب حسناته ولا يحمل عليه ذنب مسيء.

وقال الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل حسنة عملها، وأصل الهضم: النقص والكسر، ومنه هضم الطعام.

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ۝١١٣ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا ۝١١٤ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا ۝١١٥

{وَكَذَٰلِكَ}، أي كما بيّنا في هذه السورة، {أَنزَلْنَـٰهُ}، يعني أنزلنا هذا الكتاب، {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً}، يعني: بلسان العرب، {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ}، أي صرّفنا القول فيه بذكر الوعيد، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، أي يجتنبون الشرك، {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}، أي يجدد لهم القرآن عبرةً وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عقاب الله للأمم الخالية.

{فَتَعَـٰلَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}، جلَّ الله عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون،{وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ}، أراد النبيَّ صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادر فيقرأ معه، قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة، ومخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك، وقال: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ}، أي لا تعجل بقراءته، {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}، أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإِبلاغ، نظيره قوله تعالى:

{ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }[القيامة: 16] وقرأ يعقوب: {نقضي} بالنون وفتحها وكسر الضاد، وفتح الياء: {وحيه} بالنصب.

قال مجاهد وقتادة: معناه لا تُقْرِئه أصحابك، ولا تُمْلِه عليهم حتى يتبين لك معانيه.

{وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً}، يعني بالقرآن ومعانيه. وقيل: علماً إلى ما علمت.

وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ}، يعني: أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدك وتركوا الإِيمان بي، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: "لعلهم يتقون"، {فَنَسِىَ}، فترك الأمر، والمعنى أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضاً عهدنا إليه فنسي، {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}، قال الحسن لم نجد له صبراً عمّا نُهي عنه، وقال عطية العوفي: حفظاً لما أُمر به.

وقال ابن قتيبة: رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، و"العزم" في اللغة: هو توطين النفس على الفعل.

قال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه، وقد قال الله: "ولم نجد له عزماً".

فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسياً لأمر الله حين أكل من الشجرة؟

قيل: يجوز أن يكون نسي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعاً عن الإِنسان، بل كان مؤاخذاً به، وإنما رفع عنّا.

وقيل: نسي عقوبة الله وظن أنه نهي تنزيهاً.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ۝١١٦ فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ۝١١٧

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَِدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ}، أن يسجد.

{فَقُلْنَا يَٰـآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ}، حواء، {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}، يعني: تتعب وتنصب، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك. قال السدي: يعني الحرث والزرع والحصيد والطحن والخبيز.

وعن سعيد بن جبير: قال أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه.

ولم يقل: "فتشقيا" رجوعاً به إلى آدم لأن تعبه أكثر فإن الرجل هو الساعي على زوجته.

وقيل: لأجل رؤوس الآي.

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ۝١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ۝١١٩ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ ۝١٢٠ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ۝١٢١

{إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا}، أي في الجنة {وَلاَ تَعْرَىٰ}.

{وَأَنَّكَ}، قرأ نافع وأبو بكر بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالفتح نسقاً على قوله: {أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُاْ}، لا تعطش، {فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ}، يعني: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها. وقال عكرمة: لا تصيبك الشمس وأذاها، لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود.

{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَٰـآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ}، يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلداً، {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ}، لا يبيد ولا يفنى.

{فَأَكَلاَ}، يعني آدم وحواء عليهما السلام، {مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ}، بأكله الشجرة، {فَغَوَىٰ}، يعني فعل ما لم يكن له فعله. وقيل: أخطأ طريق الجنة وضلَّ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله، فخاب ولم ينل مراده.

وقال ابن الأعرابي: أي فسد عليه عيشه، وصار من العزِّ إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب.

قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ؛ لأنه إنما يقال عاصٍ لمن اعتاد فعل المعصية، كالرجل يخيط ثوبه يقال: خاط ثوبه، ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده.

حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن المزني، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن طاوس سمعَ أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أفتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحجَّ آدمُ موسى

ورواه عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة وزاد:

قال آدم ياموسى بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربَّه فغوى؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى

.«

ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ۝١٢٢ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ۝١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ ۝١٢٤

{ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ}، اختاره واصطفاه، {فَتَابَ عَلَيْهِ}، بالعفو، {وَهَدَىٰ}، هداه إلى التوبة حين قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا.

{قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ}، يعني الكتاب والرسول، {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}، روى سعيد بن جبر عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله يقول: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}.

وقال الشعبي عن ابن عباس: أجار الله تعالى تابعَ القرآن من أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية.

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى}، يعني: القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}، ضيقاً، روي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: هو عذاب القبر. قال أبو سعيد: يضغط حتى تختلف أضلاعه.

وفي بعض المسانيد مرفوعاً.

يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه فلا يزال يعذب حتى يبعث.«

وقال الحسن: هو الزقوم والضريع والغسلين في النار.

وقال عكرمة: هو الحرام. وقال الضحاك: هو الكسب الخبيث.

وعن ابن عباس قال: الشقاء. وروى عنه أنه قال: كل مالٍ أعطي العبد قلّ أم كثر فلم يتقِ فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن أقواماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله.

قال سعيد بن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع.

{وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ}، قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد: أعمى عن الحجة.

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ۝١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ۝١٢٦ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ۝١٢٧

{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً}، بالعين أو بصيراً بالحجة.

{قَالَ كَذَٰلِكَ}، أي كما {أَتَتْكَ آيَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا}، فتركتها وأعرضت عنها، {وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}، تترك في النار. قال قتادة: نُسُوا من الخير ولم يُنْسَوْا من العذاب.

{وَكَذَٰلِكَ}، أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك، {نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ}، أشرك. {وَلَمْ يُؤْمِن بِـآيَـٰتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَشَدُّ}، مما يعذبهم به في الدنيا والقبر، {وَأَبْقَىٰ}، وأدوم.

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَٰكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ۝١٢٨ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ۝١٢٩ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ۝١٣٠

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ}، يبيّن لهم القرآن، يعني: كفار مكة، {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ}، ديارهم ومنازلهم إذا سافروا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلَكين من أصحاب الحِجْرِ وثمود وقريات قوم لوط.

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لأيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلنُّهَىٰ}، لذوي العقول.

{وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى}، فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى، والكلمة الحكم بتأخير العذاب عنهم، أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان لزاماً، أي لكان العذاب لازماً لهم كما لزم القرون الماضية الكافرة.

{فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}، نسختها آية القتال، "وسبحْ بِحمدِ ربِّك"، أي صلِّ بأمر ربك. وقيل: صلِّ لله بالحمد له والثناء عليه، {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ}، يعني صلاة الصبح، {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}، صلاة العصر، {وَمِنْ ءَانَآءِ ٱلَّيْلِ}، ساعاتها واحدها إنى، {فَسَبِّحْ}، يعني صلاة المغرب والعشاء. قال ابن عباس: يريد أول الليل، {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ}، يعني صلاة الظهر، وسمى وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال، وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء.

وقيل: المراد من آناء الليل صلاة العشاء ومن أطراف النهار صلاة الظهر والمغرب، لأن الظهر في آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر، فهو في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلي المغرب.

{لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ}، أي ترضى ثوابه في المَعَاد، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم "تُرْضَىٰ" بضم التاء أي تعطى ثوابه. وقيل: {تَرْضَىٰ} أي يرضاك الله تعالى، كما قال:

{ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } [مريم: 55]، وقيل: معنى الآية لعلك ترضى بالشفاعة، كما قال: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } [الضحى: 5].

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني إملاء، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم،

عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}.

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۝١٣١

قوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، قال أبو رافع:

نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي: "قلْ له إن رسول الله يقول لك بِعْني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب "فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلاَّ برهن، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "والله لئن باعني وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهبْ بدرعي الحديد إليه" فنزلت هذه الآية: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، لا تنظر، {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ}، أعطينا، {أَزْوَاجاً}، أصنافاً، {مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، أي زينتها وبهجتها، وقرأ يعقوب زهرة بفتح الهاء وقرأ العامة بجزمها، {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}، أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً، {وَرِزْقُ رَبِّكَ}، في المعاد، يعني: الجنة، {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، قال أبي بن كعب: من لم يعتزَّ بعزة الله تقطعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره فيما في أيد الناس بطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قلّ علمه وحضر عذابه.

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ۝١٣٢ وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّهِۦٓ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ۝١٣٣

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ} أي قومك. وقيل: من كان على دينك. كقوله تعالى:

{ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ }[مريم: 55]، {وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، أي اصبر على الصلاة، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

{لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً}، لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا، ولا أن ترزق نفسك وإنما نكلفك عملاً، {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَـٰقِبَةُ}، الخاتمة الجميلة المحمودة، {لِلتَّقْوَىٰ}، أي لأهل التقوى. قال ابن عباس: الذين صدّقوك واتبعوك واتقوني.

وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم:

كان إذا أصاب أهله ضرٌّ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية».

قوله تعالى: {وَقَالُواْ}، يعني المشركين، {لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ}، أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة، {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ}، قرأ أهل المدينة والبصرة وحفص عن عاصم: {تَأْتِهِمْ} لتأنيث البينة، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم الفعل، ولأن البينة هي البيان فردَّ إلى المعنى، {بينةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}، أي بيان ما فيها، وهو القرآن أقوى دلالة وأوضح آية.

وقيل: أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى التوراة، والإِنجيل، وغيرهما من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها، كيف عجّلنا لهم العذاب والهلاك، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك.

وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ۝١٣٤ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ۝١٣٥

{وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ}، من قبل إرسال الرسول وإنزال القرآن، {لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ}، هلاّ {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً}، يدعونا، أي: لقالوا يوم القيامة، {فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}، بالعذاب، والذل، والهوان، والخزي، والافتضاح.

{قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ}، منتظر دوائر الزمان، وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد حوادث الدهر، فإن مات تخلصنا، قال الله تعالى: {فَتَرَبَّصُواْ}، فانتظروا، {فَسَتَعْلَمُونَ}، إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، {مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِىِّ}، المستقيم، {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ}، من الضلالة نحن أم أنتم؟.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ