ومن أسمائه الحسنى النور فالنور وصفه العظيم، وأسماؤه حسنى، وصفاته أكمل الصفات له تعالى رحمة، وحمد، وحكمة، وهو نور السماوات والأرض الذي نور قلوب العارفين بمعرفته، والإيمان به ونور أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السماوات والأرض بالأنوار التي وضعها. وحجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ماانتهى إليه بصره من خلقه. وبنوره استنارت جنات النعيم. والنور الذي هو وصفه من جملة نعوته العظيمة وأما النور المخلوق فهو نوعان:
والثاني نور معنوي، وهو نور المعرفة، والإيمان، والطاعة فإن لها نورا في قلوب المؤمنين بحسب ما قام في قلوبهم من حقائق المعرفة مواجيد الإيمان، وحلاوة الطاعة، وسرور المحبة.
وهذا النور هو الذي يمنع صاحبه من المعاصي ويجذبه إلى الخير ويدعوه إلى كمال الإخلاص لله، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً ومن بين يدي نوراً ومن خلفي نوراً وفوقي نوراً وتحتي نوراً اللهم اعطني نورا وزدني نورا".
وهذا النور الذي يعطيه الله عبده أعظم منّة منها عليه وأصل الخير. وهذا النور مهما قوي فإنه مخلوق، فإياك أن تضعف بصيرتك ويقل تمييزك وعلمك فتظن هذا النور نور العيان ومشاهدة القلب لنور الذات المقدسة، وإنما هو نور المعرفة- والإيمان، ويبتلى بهذا بعض الصوفية الذين ترد عليهم الواردة القوية فيقع منهم من الشطح، والخطل ما ينافي العلم، والإيمان كما أن كثيف الطبع جافي القلب قد تراكمت عليه الظلمات، وتوالت عليه الغفلات فلم يكن له من هذا النور حظ، ولا نصيب بل ربما ازدرى من سفاهة عقله وقلة وجده هذه الأحوال وزهد فيها، فمتى منَّ الله على العبد بمعرفة صحيحه متلقاة من الكتاب، والسنة، وتفقه في أسماء الله، وصفاته، وتعبد لله بها، واجتهد أن يحقق مقام الإحسان فيعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه ولهج بذكر الله تعالى استنار قلبه، وحصل له من لذة المعرفة، ومواجيد الإيمان أعظم اللذات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[…]
— عبد الرحمن السعدي
النور: هو الذي بنوره يبصر ذو العماية وبهدايته يرشد ذو الغواية وعلى مثل هذا يتأول، قوله [جل وعز]: (الله نور السموات والأرض) أي: منه نور السموات والأرض. ولا يجوز أن يتوهم أن الله -تعالى - نور من الأنوار، وأن يعتقد ذلك فيه -سبحانه-؛ فإن النور تضاده الظلمة، وتعاقبه فتزيله، وتعالى الله أن يكون له ضد أو ند، وقد يحتمل أن يكون معناه: ذو النور، إلا أنه لا يصح أن يكون النور صفة ذات له، كما يصح ذلك من اسم السلام، إذا قلناه، إنه ذو السلام.
وإنما يكون ذلك صفة فعل على معنى إضافة الفعل إليه إذ هو خالق النور وموجده.
الله نور السماوات والأرض، وهادي من فيهما، مثل نوره سبحانه في قلب المؤمن كَكُوَّة في حائط غير نافذة، فيها مصباح، المصباح في زجاجة متوهجة كأنها كوكب مضيء كالدر، يوقد المصباح من زيت شجرة مباركة، هي شجرة الزيتون، الشجرة لا يسترها عن الشمس شيء، لا في الصباح ولا في المساء، يكاد زيتها لصفائه يضيء، ولو لم تمسسه نار، فكيف إذا مسّته؟! نور المصباح على نور الزجاجة، وهكذا قلب المؤمن إذا أشرق فيه نور الهداية، والله يوفق لاتباع القرآن من يشاء من عباده، ويبين الله الأشياء بأشباهها بضربه للأمثال، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.