الرحمن الرحيم: اختلف الناس في تفسير: الرحمن، ومعناه، وهل هو مشتق من الرحمة، أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير مشتق، واحتج بأنه لو كان مشتقا من الرحمة لاتصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمان بعباده. كما يقال: رحيم بعباده.
فلما لم يستقم صلته بذكر المرحوم، دل على أنه غير مشتق من الرحمة. وقال: لو كان هذا الاسم مشتقا من الرحمة، لم تنكره العرب حين سمعوه! إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم. وقد حكى الله عنهم الإنكار له والنفور عنه في قوله: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن. قالوا: وما الرحمن) الآية. وزعم بعضهم: أنه اسم عبراني [وذهب الجمهور من الناس إلى أنه اسم مشتق من الرحمة مبني على المبالغة. ومعناه: ذو الرحمة. الذي لا نظير له فيها، ولذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع].
وبناء فعلان في كلامهم بناء المبالغة، يقال لشديد الامتلاء: ملآن، ولشديد الشبع: شبعان. ويدل على صحة مذهب الاشتقاق في هذا الاسم.
حديث عبد الرحمن بن عوف، [رضي الله عنه]: حدثناه: أحمد بن عبد الحكيم الكريزي، وعبد الله بن شاذان الكراني، قالا: حدثنا: محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، قال: حدثنا: حجاج بن منهال، قال: حدثنا: حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: أن أباه عاد أبا الرداد، فقال له أبو الرداد: ما أحد من قومي أوصل لي منك. قال عبد الرحمن: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن ربه: "أنا [الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ثم أبته" اللفظ للكريزي. فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم، وأسباب معاشهم، ومصالحهم، وعمت المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح].
وأما الرحيم: فخاص للمؤمنين، كقوله [تعالى]: (وكان بالمؤمنين رحيما)، وقد سمى الله -جل، وعز- الرزق، والمعاش في كتابه: رحمة، فقال: (أهم يقسمون رحمة ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا).
وقال: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق). وكقوله [جل جلاله]: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها، فقل لهم قولا ميسورا).
والرحيم، وزنه: فعيل، بمعنى فاعل. أي: راحم. وبناء فعيل أيضا للمبالغة. كعالم، وعليم، وقادر، وقدير. وكان أبو عبيدة يقول: تقدير هذين الاسمين، تقدير: ندمان، ونديم، من المنادمة.
[…]