انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير البغويالآيات 61–119

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير البغوي.

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ۝٦١ قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَآ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ۝٦٢

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثًمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً}، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً في النسب لا في الدين، {قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحّدُوا الله عزّ وجلّ، {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْض}، ابتدأ خلقَكُم، {مِّنَ ٱلأَرْضِ}، وذلك أنهم من آدم عليه السلام وآدم خُلق من الأرض، {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، أي: جعلكم عُمّارَها وسُكّانَها، قال الضحاك: أطال عمركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلثمائة سنة إلى ألف سنة، وكذلك قوم عاد.

قال مجاهد: أعمَركم من العُمري، أي: جعلها لكم ما عشتم. وقال قتادة: أسكنكم فيها.

{فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ}، من المؤمنين، {مُّجِيبٌ} لدعائهم.

{قَالُواْ}، يعني ثمود: {يَٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا}، القول، [أي: كنا نرجوا] أن تكون سيداً فينا. وقيل: كنا نرجوا أن تعود إلى ديننا، وذلك أنهم كانوا يرجون رجوعه إلى دين عشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله عزّ وجلّ وترك الأصنام زعموا أن رجاءهم انقطع عنه، فقالوا: {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا} من قَبْلُ، من الآلهة، {وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ}، موقع للريبة والتهمة، يقال: أربتُه إرابةً إذا فعلتُ به فعلاً يوجب له الريبة.

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ ۝٦٣ وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ۝٦٤ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ۝٦٥

{قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّى وَءَاتَـٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً}، نبوة وحكمة، {فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ}، أي: من يمنعني من عذاب الله، {إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ}، قال ابن عباس: معناه: غير بصارة في خسارتكم.

قال الحسين بن الفضل: لم يكن صالح عليه السلام في خسارة حتى قال فما «فما تزيدونني غير تخسير»، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إيّاكم إلى الخسارة.

والتفسيق والتفجير في اللغة هو: النسبة إلى الفسق والفجور، وكذلك التخسير هو: النسبة إلى الخسران.

{وَيَٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً}، نصب على الحال والقطع، وذلك أن قومَهُ طلبوا منه أن يخرج ناقةً عُشَراء من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة، فدعا صالح عليه السلام فخرجت منها ناقة وولدت في الحال ولداً مثلها، فهذا معنى قوله: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىۤ أَرْضِ ٱللَّهِ}، من العشب والنبات فليست عليكم مؤونتها، {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ}: ولا تصيبوها بعقر، {فَيَأْخُذَكُمْ}، إن قتلتموها، {عَذَابٌ قَرِيبٌ}.

{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ} لهم صالح: {تَمَتَّعُواْ}، عيشوا، {فِى دَارِكُمْ}، أي: في دياركم، {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ}، ثم تهلكون، {ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}، أي: غير كذب.

رُوي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتُصبحون اليوم الأول ووجوهكم مُصْفَرَّة، وفي اليوم الثاني مُحْمَرَّة، وفي اليوم الثالث مسودَّة، فكان كما قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع.

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ۝٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٦٧ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ ۝٦٨ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًا قَالَ سَلَٰمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ۝٦٩

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحاً وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا}، بنعمة منّا، {وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ}، أي: من عذابه وهوانه، قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي: «خزي يومَئذ» و «عذاب يومَئذ»، بفتح الميم. وقرأ الباقون بالكسر. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ}.

{وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، كفروا، {ٱلصَّيْحَةُ}، وذلك أنّ جبريل عليه السلام صاح صيحة واحدة فهلكوا جميعاً. وقيل: أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وإنما قال: «وأخذ» الصيحةُ مؤنثة، لأن الصيحة بمعنى الصياح. {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ}، صَرْعَى هلكَى.

{كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا}، يقيموا ويكونوا فيها {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ}، قرأ حمزة وحفص ويعقوب: «ثمودَ» غير منون، وكذلك في سورة الفرقان والعنكبوت والنجم، ووافق أبو بكر في النجم، وقرأ الباقون بالتنوين، وقرأ الكسائي: «لثمودٍ» بخفض الدال والتنوين، والباقون بنصب الدال، فمن جرّه فلأنه اسم مذكر، ومن لم يجرّه جعله اسماً للقبيلة.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ}، أراد بالرسل الملائكة. واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس وعطاء: كانوا ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال مقاتل: كانوا اثنى عشر مَلَكاً.

وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه سبعة.

وقال السدي: كانوا أحد عشر مَلَكاً على صورة الغلمان الوضاء وجوههم.

{بِٱلْبُـشْرَىٰ} بالبشارة بإسحاق ويعقوب. وقيل: بإهلاك قوم لوط.

{قَالُواْ سَلَـٰماً}، أي: سلّمُوا سلاماً، {قَالَ} إبراهيم {سَلَـٰمٌ}، أي عليكم سلام: وقيل: هو رفع على الحكاية، كقوله تعالى:

{ { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } } [البقرة:85 والأعراف:161]، وقرأ حمزة والكسائي «سِلْم» هاهنا وفي سورة الذاريات بكسر السين بلا ألف. قيل: هو بمعنى السلام. كما يقال: حِل وحَلال، وحِرم وحَرام. وقيل: هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم أي صلح لكم غير حرب.

{فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}، والحنيذ والمحنوذ: هو المشوي على الحجارة في خَدٌّ من الأرض، وكان سميناً يسيل دسماً، كما قال في موضع آخر:

{ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ }[الذاريات: 26]: قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر.

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٠ وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ ۝٧١

{فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ}، أي: إلى العجل، {نَكِرَهُمْ}، أنكرهم، {وَأَوْجَسَ}، أضمر، {مِنْهُمْ خِيفَةً}، خوفاً. قال مقاتل: وقع في قلبه، وأصل الوجوس: الدخول، كان الخوف دخل قلبه. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأتِ بخيرٍ وإنما جاء بشَرٌّ. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ}، يا إبراهيم {إنا رسل ربك. يعني:] {إِنَّا} ملائكة الله {أُرْسِلْنآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}.

{وَٱمْرَأَتُهُ}، سارة بنت هاران ابن أحور وهي ابنة عم إبراهيم، {قَآئِمَةٌ} من وراء الستر تسمع كلامهم. وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل، وإبراهيم جالس معهم. {فَضَحِكَتْ}، قال مجاهد وعكرمة: ضحكتْ أي: حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب، أي: حاضت. والأكثرون على أن المراد منه الضحك المعروف.

واختلفوا في سبب ضحكها، فقيل: ضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم حين قَالُوا لا تخف. وقال السدي: لما قرّب إبراهيم الطعام إليهم فلم يأكلوا خاف إبراهيم وظنهم لصوصاً فقال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنّا لا نأكل طعاماً إلاّ بثمن، قال إبراهيم: فإن له ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال: حقّ لهذا أن يتخذه ربُّه خليلاً، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: ياعجباً لأضيافنا إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمةً لهم وهم لا يأكلون طعامنا.

وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم.

وقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة [في بيته] وهو فيما بين خدمه وحشمه.

وقيل: ضحكت سروراً بالبشارة.

وقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنّها وسنّ زوجها. وعلى هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وامرأتُه قائمةٌ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكتْ، وقالت: يا ويلتي أَأَلِدُ وأنا عجوزٌ.

قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ}، أي: من بعد إسحاق، {يَعْقُوبَ}، أراد به والد الولد فبشرت أنها تعيش حتى ترى ولد ولدها قرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب بنصب الباء، أي: من وراء إسحاق يعقوب. وقيل: بإضمار فعل، أي: ووهبنا له من وراء يعقوب. وقرأ الباقون بالرفع على حذف حرف الصفة. وقيل: ومن بعد إسحاق يحدث يعقوب، فلما بشرت بالولد ضحكت فصكت وجهها، أي: ضربت وجهها تعجباً.

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ ۝٧٢ قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ۝٧٣

{قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ}، نداء ندبة وهي كلمة يقولها الإِنسان عند رؤية ما يتعجب منه، أي: يا عجباً. والأصل ياويلتاه. {ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ}، وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: تسعاً وتسعين سنة. {وَهَـٰذَا بَعْلِى}، زوجي، سمي بذلك لأنَّه قيّم أمرها، {شَيْخاً}؛ نصب على الحال، وكان سنُّ إبراهيم مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: مائة سنة، وكان بين البشارة والولادة سنة، {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ}.

{قَالُواْ}، يعني الملائكة، {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}، معناه: لا تعجبي من أمر الله، فإنَّ اللّهَ عزّ وجلّ إذا أراد شيئاً كان. {رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}، أي: بيت إبراهيم عليه السلام. قيل: هذا على معنى الدعاء من الملائكة، وقيل: معنى الخير والرحمة والنعمة.

والبركاتُ جمع البركة، وهي ثبوت الخير. وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت.

{إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ}، فالحميد: المحمود في أفعاله، والمجيد: الكريم، وأصل المجد الرفعة.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٤ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ ۝٧٥ يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ۝٧٦ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ۝٧٧

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ}، الخوف، {وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ}، بإسحاق ويعقوب، {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ}، فيه إضمار، أي: أخذ وظل يجادلنا.

قيل: معناه يكلمنا لأن إبراهيم عليه السلام لايجادل ربَّه عزّ وجلّ إنما يسأله ويطلب إليه.

وقال عامة أهل التفسير: معناه يجادل رسلنا، وكانت مجادلته أنه قال للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: أو أربعون؟ قالوا: لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسةً، قالوا: لا، قال: أرأيتُم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال لهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك: إن فيها لوطاً، قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.

{إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}، قال ابن جريج: وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف، فقالت الرسل عند ذلك لإِبراهيم.

{يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ}، أي: أعرض عن هذا المقال ودعْ عنك الجدال، {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ}، أي، عذاب ربّك وحكم ربّك، {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ}، نازل بهم، {عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}، أي: غير مصروف عنهم.

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا}، يعني: هؤلاء الملائكة، {لُوطاً}، على صورة غلمان مرد حسان الوجوه، {سِىۤءَ بِهِمْ}، أي: حزن لوط بمجيئهم، يقال: سؤته فسيء، كما يقال: سررته فسر. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً}، أي: قلباً. يقال: ضاق ذرع فلان بكذا: إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه، وذلك أن لوطاً عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم.

{وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}، أي: شديد كأنه عصب به الشر والبلاء، أي: شدَّ.

قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام نحو قرية قوم لوط فأتوا لوطاً نصف النهار، وهو في أرض له يعمل فيها.

وقيل: إنه كان يحتطب. وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال لهم: ما بلغكم أمر أهل هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قرية في الأرض عملاً. يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله.

ورُوي: أنه حمل الحطب وتبعته الملائكة فمرّ على جماعة من قومه فغمزوا فيما بينهم، فقال لوط: إن قومي شر خلق الله، ثم مرّ على قوم آخرين، فغمزوا، فقال مثله، ثم مرّ بقومٍ آخرين فقال مثله، فكان كلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة: اشهدوا، حتى أتى منزله.

ورُوي: أن الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد إلاّ أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيتُ مثل وجوههم قط.

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ۝٧٨

{وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يَهْرَعُونَ إِلَيْهِ}، قال ابن عباس وقتادة: يسرعون إليه. وقال مجاهد: يهرولون، وقال الحسن: مشي بين مشيتين. قال شمر بن عطية: بين الهرولة والجمز.

{وَمِن قَبْلُ}، أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، {كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ}، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم. {قَالَ}، لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان، {يَٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}، يعني: بالتزويج، وفي أضيافه ببناته، وكان في ذلك الوقت، تزويج المسلمة من الكافر جائزاً كما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب، وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين.

وقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإِسلام.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: قوله: {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِى}، أراد: نساءهم، وأضاف إلى نفسه لأنّ كلَّ نبي أبو أمته. وفي قراءة أبيّ بن كعب: «النبيُّ أوْلَى بالمؤمِنينَ مِنْ أنفسهم وأزواجهُ أَمهاتُهم»[الأحزاب: 6] وهو أب لهم.

وقيل: ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على التحقيق، ولم يرضوا هذا.

{فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي}، أي: خافُوا اللّهَ ولا تخزونِ في ضيفي، أي: لا تَسُوؤُني ولا تفضحُوني في أضيافي. {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ}، صالح سديد. قال عكرمة: رجل يقول لا إله إلا الله. وقال ابن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ۝٧٩ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ۝٨٠ قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ۝٨١

{قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ}، يالوط، {مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ}، أي: لسن أزواجاً لنا فنستحقهن بالنكاح. وقيل: معناه مَالَنا فيهنّ من حاجة وشهوة. {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}، من إتيان الرجال.

{قَالَ}، لهم لوط عند ذلك: {لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً}، أراد قوة البدن، أو القوة بالأتباع، {أَوْ ءَاوِىۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}، أي: انضم إلى عشيرةٍ مانعة. وجواب «لو» مضمر أي لقاتلناكم وحُلْنا بينكم وبينهم قال أبو هريرة: ما بعث الله بعده نبياً إلا في منعة من عشيرته.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب بن أبي حمزة، أنبأنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال:

يغفرُ اللَّهُ للوطٍ إنْ كانَ لَيأوي إلى رُكنٍ شديدٍ قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّرَ الجدار، فلما رأتِ الملائكة ما يلقى لوطٌ بسببهم:

{قَالُواْ يَٰلُوطُ}، إن رُكنك لشديد، {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ}، فافتح الباب ودعنا وإيَّاهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربَّه عزّ وجلّ في عقوبتهم، فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من دُرٍّ منظوم، وهو بَرَّاق الثنايا، أجلَى الجبين، ورأسه حُبُك مثل المرجان، كأنه الثلج بياضاً وقدماه إلى الخضرة، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون الطريق ولايهتدون إلى بيوتهم فانصرفوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا، وجعلوا يقولون: يالوط كما أنت حتى تصبح فسترى ما تلقى منّا غداً، يُوعِدُونه، فقال لوط للملائكة: متى موعد إهلاكهم؟ فقالوا: الصبح، قال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، فقالوا: {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}؟ ثم قالوا، {فَأَسْرِ}، يا لوط، {بِأَهْلِكَ}.

قرأ أهل الحجاز: «فاسْرِ وأنِ اسْرِ» بوصل الألف حيث وقع في القرآن من سرى يسري، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري، ومعناهما واحد وهو المسير بالليل.

{بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ}، قال ابن عباس: بطائفة من الليل. وقال الضحاك: ببقية. وقال قتادة: بعد مُضِيِّ أوله وقيل: إنه السحر الأول.

{وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «امرأتُك» برفع التاء على الاستثناء من الالتفات، أي: لا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتُك فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه، ونهى من تبعه، ممن أسرى بهم أن يلتفت، سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها.

وقرأ الآخرون: بنصب التاء على استثناء من الإِسراء، أي: فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تَسْر بِهَا وخلِّفْها مع قومها، فإنّ هَوَاهَا إليهم، وتصديقُه قراءة ابن مسعود: «فأسْر بأهلك بقطع من الليل إلاّ امرأتك ولا يلتفتْ منكم أحد».

{إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ}، من العذاب، {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ}، أي: موعد هلاكهم وقت الصبح، فقال لوط: أريد أسرع من ذلك، فقالوا: {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ۝٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ ۝٨٣ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ۝٨٤

قوله: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} عذابُنا، {جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا}، وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات وهي خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف. وقيل: أربعة آلاف ألف، فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فلم يُكفأ لهم إناءٌ ولم ينتبه نائمٌ، ثم قَلَبها فجعل عاليها سافلها. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا}، أي على شذاذها ومسافريها. وقيل: بعدما قلبها أمطر عليها، {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير: (سنك وكل) فارسي معرب. وقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين، دليله قوله عزّ وجلّ:

{ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ } [الذاريات: 33].

قال مجاهد: أولها حجر وأخرها طين.

وقال الحسن: كان أصل الحجارة طيناً فشددت.

وقال الضحاك: يعني الآجر.

وقيل: السجيل اسم السماء الدنيا.

وقيل: هو جبال في السماء، قال الله تعالى:

{ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }[النور: 43].

قوله تعالى: {مَّنْضُودٍ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: متتابع، يتبع بعضها بعضاً، مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض.

{مُسَوَّمَةً}، من نعت الحجارة، وهي نصب على الحال، ومعناها معلمة: قال ابن جريج: عليها سيما لاتُشَاكِلُ حجارة الأرض.

وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع.

وقال الحسن والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم.

وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به.

{عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ}، يعني: تلك الحجارة، {مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، أي: من مشركي مكة، {بِبَعِيدٍ}، وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، واللّهِ ما أجار اللّهُ منها ظالماً بعدُ.

وفي بعض الآثار: «مَا مِنْ ظالمٍ إلاّ وهو بعرضِ حجرٍ يسقط عليه من ساعة إلى ساعة».

ورُوي: أن الحجر اتّبع شذاذهم ومسافريهم أين كانوا في البلاد، ودخل رجل منهم الحرم فكان الحجر معلقاً في السماء أربعين يوماً حتى خرج فأصابه فأهلكه.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ}، أي: وأرسلنا إلى ولد مدين، {أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ}، أي: لا تبخسوا، وهم كانوا يُطفّفون مع شِرْكهم، {إِنِّىۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}، قال ابن عباس: موسرين في نعمة. وقال مجاهد: في خصب وسعة، فحذّرهم زوال النعمة، وغلاء السعر، وحلول النقمة، إن لم يتوبوا. فقال: {وَإِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ}، يحيط بكم فيهلككم.

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٨٥ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ۝٨٦ قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ۝٨٧

{وَيَٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ}، أتموهما، {بِٱلْقِسْطِ}، بالعدل. وقيل: بتقويم لسان الميزان، {وَلاَ تَبْخَسُواْ}، لا تنقصوا، {ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}

{بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خيرٌ مما تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهد: بقية الله: أي: طاعة الله، خير لكم إن كنتم مؤمنين بأن ما عندكم من رزق الله وعطائه. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}، بوكيل. وقيل: إنما قال ذلك لأنه لم يؤمر بقتالهم.

{قَالُواْ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوَٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَآ}، من الأوثان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة. لذلك قالوا هذا. وقال الأعمش: يعني أقراءتك. {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَآءُ} من الزيادة والنقصان.

وقيل: كان شعيب عليه السلام قد نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم وزعم أنه محرم عليهم، فقالوا: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من قطعها.

{إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرادوا: السفيه الغاوي، والعرب تصف الشيء بضده فتقول: لللديغ سليم وللفلاة مفازة. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء.

وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك.

وقيل: هو على الصحة أي إنك يا شعيب فينا حليم رشيد، لا يجمل بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم، وهذا كما قال قوم صالح عليه السلام:

{ { قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا } } [هود:62].

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۝٨٨ وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ۝٨٩ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ ۝٩٠

{قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ}، بصيرة وبيان، {مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً}، حلالاً. وقيل: كثيراً. كان شعيب عليه السلام كثير المال. وقيل: الرزق الحسن: العلم والمعرفة. {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ}، أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه. {إِنْ أُرِيدُ}، ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه {إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ}، والتوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}، اعتمدتُ، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}، أرجع فيما ينزل بي من النوائب. وقيل: في المعاد.

{وَيَٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}، لا يحملنّكم، {شِقَاقِىۤ}، خلافي {أَن يُصِيبَكُم}، أي: على فعل ما أنهاكم عنه، {مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ}، من الغرق، {أَوْ قَوْمَ هُودٍ}، من الريح، {أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ}، من الصيحة، {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ}، وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط.

وقيل: معناه وما دار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم لوط.

{وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}، وللودود له معنيان، أحدهما: أنه محب للمؤمنين، وقيل: هو بمعنى المودود أي المحبوب للمؤمنين. وجاء في الخبر: إن شعيباً عليه السلام كان خطيب الأنبياء عليهم السلام.

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ۝٩١ قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝٩٢ وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ۝٩٣ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٩٤

{قَالُواْ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ}، ما نفهم، {كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً}، وذلك أنه كان ضرير البصر، فأرادوا ضعف البصر، {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ}، عشيرتَك وكان في منعة من قومه، {لَرَجَمْنَـٰكَ}، لَقَتَلناك. والرجم: أقبح القتل. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا}، عندنا، {بِعَزِيزٍ}.

{قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَهْطِىۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ} أي: مكان رهطي أهيب عندكم من الله، أي: إن تركتم قتلي لمكان رهطي فالأَولى أن تحفظوني في الله. {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً}، أي: نبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه، {إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

{وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}، أي: على تؤدتكم وتمكنكم. يقال: فلان يعمل على مكانته إذا عمل على تؤدة وتمكن. {إِنِّى عَـٰمِلٌ}، على تمكني، {سَوْفَ تَعْلَمُونَ}، أيُّنا الجاني على نفسه، والمخطىء في فعله، فذلك قوله: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يذلّه، {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ}، قيل: «من» في محل النصب، أي: فسوف تعلمون الكاذب. وقيل: محله رفع، تقديره: ومن هو كاذب يعلم كذبه ويذوق وبال أمره. {وَٱرْتَقِبُوۤاْ}، وانتظروا العذاب {إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ}، منتظر.

{وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ}، قيل: إن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم. وقيل: أتتهم صيحة من السماء فأهلكتهم. {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ}، ميتين.

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ۝٩٥ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٩٦ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ۝٩٧ يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ۝٩٨ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِۦ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ۝٩٩ ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ۝١٠٠ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ۝١٠١

{كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ} أي: كأن لم يقيموا ولم يكونوا {فِيهَآ أَلاَ بُعْداً}، هلاكاً، {لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ}، هلكت {ثَمُودَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ}، حجّة بينة.

{إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}، بسديد.

{يَقْدُمُ قَوْمَهُ}، يتقدمهم، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ} فأدخلهم {ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ}، أي: بئس المدخول المدخل فيه.

{وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ} أي: في هذه الدنيا {لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ}، أي: العون المعان. وقيل: العطاء المعطى، وذلك أنهم ترادفت عليهم اللعنتان، لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة.

{ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ}، عامر، {وَحَصِيدٌ}، خراب. وقيل: منها قائم بقيت الحيطان وسقطت السقوف. وحصيد، أي: انمحي أثره. وقال مقاتل: قائم يرى له أثر وحصيد لا يُرى له أثر، وحصيد بمعنى محصود.

{وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ}، بالعذاب والهلاك، {وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ}، بالكفر والمعصية. {فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتَهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ}، عذاب ربك، {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}، أي: غير تخسير، وقيل: تدمير.

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ۝١٠٢ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ۝١٠٣ وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ۝١٠٤ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ۝١٠٥

{وَكَذَٰلِكَ}، وهكذا، {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}، أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا أبو معاوية، أنبأنا يزيد بن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الله لَيُملي للظالِمِ حتى إذا أخذه لم يفلتْهُ، قال: ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ} الآية.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَةً}، لعِبْرَةً، {لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ}، يعني: يوم القيامة، {وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}، أي: يشهده أهل السماء والأرض.

{وَمَا نُؤَخِّرُهُ}، أي: وما نُؤخر ذلك اليوم، فلا نقيم عليكم القيامة. وقرأ يعقوب: وما يُؤخره بالياء، {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}، معلوم عند الله.

{يَوْمَ يَأْتِ}، قرىء بإثباتِ الياء وحذفها، {لاَ تَكَلَّمُ}، أي: لا تتكلم {نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ}، أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة ومنهم من سبقت له السعادة.

أخبرنا أبو سعيد عبدالله بن أحمد الطاهري، أنبأنا جدي أبو سهل عبدالصمد بن عبد الرحمن البزاز، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العُذَافِريّ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِيّ، أنبأنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن منصور، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبدالرحمن السُّلَمِيّ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:

خرجنا على جنازة فبينا نحن بالبقيع إذْ خرْجَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبيده مِخْصَرَةٌ، فجاء فجلس، ثم نكتَ بها الأرض ساعة، ثم قال: «ما من نفسٍ منفوسةٍ إلاّ وقد كُتِبَ مكانُها من الجنة أو النار، وإلاّ وقدْ كُتِبَتْ شقية أو سعيدة». قال: فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا يارسول الله وندعُ العملَ؟ قال: «لا، ولكن اعْملُوا فكلٌّ ميسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة»، قال: ثم تلا: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} [الليل].

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۝١٠٦ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ۝١٠٧

قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما الزفير: الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر.

{خَالِدِينَ فِيهَا}، لابثين مقيمين فيها، {مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ}، قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما وكلُّ ما علاكَ وأظلّكَ فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض. قال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأييد على عادة العرب، يقولون لا آتيك ما دامت السمواتُ والأرض، ولايكون كذا ما اختلف اللّيل والنهار، يعنون: أبداً.

قوله: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ}.

اختلفوا في هذين الاستثنائين، فقال بعضُهم: الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس، لأن الذين أُخرجوا من النار سعداء ثم استثناهم الله من جملة الأشقياء، وهذا كما:

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لَيُصِيبَنَّ أقواماً سَفْعٌ من النار بذنوبٍ أصابوها، عقوبةً، ثم يدخلهم الله الجنةَ بفضلِ رحمتِهِ، فيقال لهم الجَهَنَّمِيُّونَ".

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسدد، أخبرنا يحيى، عن الحسن بن ذكوان، أنبأنا أبو رجاء، حدثني عمران بن حصين رضي الله عنه:عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"يخرج قومٌ من النار بشفاعةِ محمدٍ، فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين".

وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة.

وقيل: إلى ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار، يعني: هم خالدون في الجنة أو النار لا هذا المقدار.

وقيل: إلا ما شاء ربك: سوى ما شاء ربك، معناه خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات والأرض، وذلك هو الخلود فيها، وكما تقول: لفلان عليّ ألف إلا الألفين، أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا.

وقيل: إلاّ بمعنى الواو، أي: وقد شاء ربُّك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة، كقوله:

{ { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } } [البقرة:150]، أي: ولا الذين ظلموا.

وقيل: معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء لأنه حكم لهم بالخلود.

وقال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنّك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه.

{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ۝١٠٨

{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص {سُعِدُواْ}، بضم السين [وكسر العين]، أي: رُزقوا السعادة، وسُعِدَ وأُسْعِدَ بمعنىً واحد. وقرأ الآخرون بفتح السين قياساً على «شَقُوا». {فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ}، قال الضحاك: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة. قال قتادة: الله أعلم بثنياه. {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، أي غير مقطوع. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنّم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله.

ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإِيمان. وأما مواضع الكفار فممتلئة أبداً.

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ۝١٠٩ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ۝١١٠ وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١١١

{فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ}، في شك، {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ}، أنهم ضُلاَّل، {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ}، فيه إضمار، أي: كما كان يعبد، {ءَابَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} حظهم من الجزاء. {غَيْرَ مَنقُوصٍ}.

{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ}، التوراة، {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} فَمن مصدق به ومكذب، كما فعل قومك بالقرآن، يُعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} في تأخير العذاب عنهم، {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ}، أي: لعُذِّبُوا في الحال وفُرغ من عذابهم وإهلاكهم، {وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}، موقع في الريبة والتهمة.

{وَإِنَّ كُـلاًّ}، قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر: "وإنْ كّلاً"، ساكنة النون على تخفيف إن الثقيلة، والباقون بتشديدها، {لمّا} شدَّدها هنا وفي يس والطارق، ابن عامر وعاصم وحمزة، وافق أبو جعفر هاهنا، وفي الطارق والزخرف، بالتشديد عاصم وحمزة والباقون بالتخفيف، فمن شدد قال الأصل فيه: {وإنّ كّلاً} [لمن ما، فوصلت من الجارة بما، فانقلبت النون ميماً للإِدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن، فبقيت لما بالتشديد، و«ما» هاهنا بمعنى: مَنْ، هو اسم لجماعة من الناس، كما قال تعالى:

{ { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ }[النساء:3]، أي: من طاب لكم، والمعنى: وإنّ كلاًّ لمن جماعة ليوفينّهم.

ومن قرأ بالتخفيف قال: «ما» صلة زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة اجتماعهما، والمعنى: وإن كّلاً ليوفينّهم.

وقيل «ما» بمعنى مَنْ، تقدير: لمن ليوفينهم، واللام في «لما» لام التأكيد، التي تدخل على خبر إن، وفي ليوفينّهم لام القسم، والقسم مضمر تقديره: والله، {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ}، أي: جزاء أعمالهم، {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١٢ وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ۝١١٣

قوله عزّ وجلّ: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}، أي: استقم على دين ربك، والعمل به، والدعاء إليه كما أُمرتَ، {وَمَن تَابَ مَعَكَ}، أي: ومن آمن معك فليستقيموا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب.

أخبرنا الإِمام الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا والدي إملاء، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،

عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلتُ: يارسول الله قلْ لي في الإِسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: «قلْ آمنتُ باللّهِ ثم استقم».

{وَلاَ تَطْغَوْاْ} لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني. وقيل: معناه ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرتُ ونهيتُ.

{إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما:

ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشدُّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال: «شيّبني هودٌ وأخواتُها»أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالسلام بن مطهَّر، ثنا عُمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إنَّ الدين يُسْرٌ ولنْ يشادّ هذا الدينَ أحدٌ إلاّ غلبه، فسدّدُوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلْجة".

قوله عز وجل: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولاتميلوا. والركون: هو المحبة والميل بالقلب. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وعن عكْرمة: لا تطيعوهم. وقيل: لاتسكنوا إلى الذين ظلموا. {فَتَمَسَّكُمُ}، فتصيبكم، {ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ}، أي: أعوان يمنعونكم من عذابه، {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}.

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ۝١١٤

قوله عزّ وجلّ: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ}، أي: الغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح والمغرب، قال مجاهد: طرفا النهار صلاة الصبّح والظهر والعصر. «وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ»، صلاة المغرب والعشاء.

وقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وزلفاً من الليل، يعني: صلاة العشاء.

وقال الحسن: طرفا النهار. الصبح والعصر، وزُلَفاً من الليل: المغرب والعشاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طرفا النهار الغداة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب.

قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ}، أي: ساعاته واحدتها زلفة وقرأ أبو جعفر: «زُلُفاً» بضم اللام.

{إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ}، يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات.

رُوي أنها نزلت في أبي اليَسَرِ، قال:

أتتني امرأة تبتاع تمراً فقلتُ لها إن في البيت تمراً أطيب منه فدخلت معي في البيت، فأهويتُ إليها فقبلتها، فأتيتُ أبا بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال: استرْ على نفسك وتُبْ، فأتيتُ عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: استرْ على نفسك وتبْ، فلم أصبر فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: «أخلفتَ غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى ظن أنه من أهل النار؟ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} الآية، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألهذا خاصةً أم للناس عامةً؟ قال: «بلْ للناس عامةً».

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنبانا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا قتيبة بن سعيد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله عنه

أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ}، قال الرجل: يارسول الله ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم».

وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني أبو طاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، قالا: حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

الصلواتُ الخمس والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهنّ إذا اجتُنبتِ الكبائر".

وأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنبأنا قتيبة، أنبأنا الليث وبكر بن مضر، عن ابن الهادِ، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أرأيتُم لو أن نهراً ببابِ أحدكم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فكذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمس، يمحو الله بهنّ الخطايا».

قوله عزّ وجلّ: {ذَٰلِكَ}، أي: ذلك الذي ذكرنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن، {ذِكْرَىٰ} عِظة {لِلذَٰكِرِينَ}، أي: لمن ذكره.

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١١٥

{وَٱصْبِرْ} يامحمد على ما تلقى من الأذى. وقيل: على الصلاة، ونظيره

{ { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } }. [طه:132] {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، في أعمالهم.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني المصلين.

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ۝١١٦ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ۝١١٧ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝١١٩

قوله عزّ وجلّ: {فَلَوْلاَ} فهلا، {كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ}، التي أهلكناهم، {مِن قَبْلِكُمْ}، والآية للتوبيخ {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ}، أي: أولوا تمييز. وقيل: أولوا طاعة. وقيل: أولوا خير. يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير. معناه: فهلا كان من القرون من قبلكم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض؟ وقيل: معناه أولوا بقية من خير. يقال: فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة.

{يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحد، أي: لم يكن فيهم أولوا بقية. {إِلاَّ قَلِيلاً}، هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلاً، {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}، وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ}، نَعِمُوا، {فِيهِ}، والمترَفُ: المُنَعم. وقال مقاتل بن حيان: خُوّلوا. وقال الفراء: عُودُوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة. {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}، كافرين.

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ}، أي: لايهلكهم بشركهم، {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}، فيما بينهم يتعاطون الإِنصاف ولا يظلم بعضهم بعضاً، وإنما يهلكهم إذا تظالموا. وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ}، كلهم. {أُمَّةً وَاحِدَةً}، على دين واحد. {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} على أديان شتى من بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، ومشرك.

{إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}، معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لايختلفون، {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ}، قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال أشهب: سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير.

وقال أبو عبيدة: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقاً لرحمته وفريقاً لعذابه.

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم.

وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف.

وحاصل الآية: أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق الله أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف.

{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ}، وتم حكم ربِّك، {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ